الشوكاني

135

فتح القدير

قوله ( فأي الفريقين أحق بالأمن ) المراد بالفريقين فريق المؤمنين وفريق المشركين : أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات . ومعبودكم هي تلك المخلوقات ، فكيف تخوفوني بها ، وكيف أخافها ؟ وهي بهذه المنزلة ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه ، وبعد هذا فأخبروني : أي الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف ( إن كنتم تعلمون ) بحقيقة الحال وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة ، ثم قال الله سبحانه قاضيا بينهم ومبينا لهم ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا ، وقيل هو من تمام قول إبراهيم ، وقيل هو من قول قوم إبراهيم . ومعنى ( لم يلبسوا إيمانهم بظلم ) لم يخلطوه بظلم ، والمراد بالظلم الشرك ، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ليس هو كما تظنون ، إنما هو كما قال لقمان - يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " ، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية : وأبي تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصول المتصف بما سبق ، و ( لهم الأمن ) جملة وقعت خبرا عن اسم الإشارة ، هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه ( وهم مهتدون ) إلى الحق ثابتون عليه ، وغيرهم على ضلال وجهل ، والإشارة بقوله ( تلك حجتنا ) إلى ما تقدم من الحجج التي أوردها إبراهيم عليهم : أي تلك البراهين التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله ( فلما جن عليه الليل ) إلى قوله ( وهم مهتدون - حجتنا آتيناها إبراهيم ) أي أعطيناه إياها وأرشدناه إليها ، وجملة ( آتيناها إبراهيم ) في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة ( على قومه ) أي حجة على قومه ( نرفع درجات من نشاء ) بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة ، أو بما هو أعم من ذلك ( إن ربك حكيم عليم ) أي حكيم في كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده ، وأن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال في قوله تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) قال الآزر الصنم ، وأبو إبراهيم اسمه يأزر وأمه اسمها مثلي وامرأته اسمها سارة ، وسريته أم إسماعيل هاجر ، وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : اسم أبيه تارخ واسم الصنم آزر . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي ، أنه قرأ ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) قال : بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر ، وإنما اسمه تارخ . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله تعالى ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) قال : الشمس والقمر والنجوم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال : في الآية كشف ما بين السماوات حتى نظر إليهن على صخرة ، والصخرة على حوت ، وهو الحوت الذي منه طعام الناس . والحوت في سلسلة ، والسلسلة في خاتم العزة . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في الآية : قال سلطانهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله ( وحاجه قومه ) يقول : خاصموه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أتحاجوني ) قال : أتخاصموني . وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي بكر الصديق أنه فسر ( ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) بالشرك . وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب ،